مقالات و آراء

معًا لتغيير العالم!

لسنوات طويلة ظل الغرب، بهيئاته ومؤسساته الرياضية، يصدّع رؤوسنا بشعار ” لا للسياسة في الرياضة “.. وطبعا ابتلع ضعاف النفوس منا الطعم وصدقوا أن الفيفا وبقية الهيئات الرياضية الدولية تعمل فعلا لـ “أخلقة” الرياضة و”علمنتها” بإبعادها عن السياسة والسياسيين (!)، بل إنها أظهرت لهم “العين الحمراء ” كما يقال !

على سبيل المثال.. لم يتوان “ّالفيفا”، وهي أكبر مؤسسة رياضية سلطها الغرب على رقاب الشعوب المطحونة ، في معاقبة دول واتحادات وكيانات محلية بمجرد أن حاولت دولها لفت نظرها إلى ضرورة التماهي مع سياسات البلد وعدم الخروج عن النص.
ففي كل مرة يطلع من تحت الرماد فعل خيري تضامني مع الشعوب المطحونة ، تطلع الفيفا من قمقمها ، ومعها المجتمع المخملي الرياضي للغرب، لتؤدبنا وتعلمنا أصول الرياضة “الخالية” من شوائب السياسة، فتصفع من تشاء من المتجرئين على مبادئها بانتقادات وتنزل بالعقوبات على من تريد.. فلقي اللاعب المصري محمد أبو تريكة انتقادات واتهم بإقحام السياسة بالرياضة بعد أن كشف خلال مباراة السودان بكأس الأمم الإفريقية 2008 عن “تي شيرت” يحمل شعار “تضامنا مع غزة” في محنتهم ضد الانتهاكات الإسرائيلية.
وواجه المالي الخلوق فريديريك عمر كانوتي موجة سخرية و تشهير فضلا عن الـبطاقة الصفراء بعد أن كشف عن قميص داخلي كتب عليه اسم “فلسطين” بأكثر من لغة عقب تسجيله هدف فوز فريقه إشبيليه على ديبورتيفو لاكورونيا في ذهاب ربع نهائي كأس إسبانيا في 7 يناير 2009.
و يوم رفع الجزائري رياض محرز و المصري محمد النني أعلام فلسطين على خلفية أحداث حي الشيخ جراح والتهجير التعسفي لأصحاب الأرض، واجهوا عاصفة من الانتقادات بداعي أن ” هذا التصرف يخالف المبادئ الرياضية التي تنصّ على التزام الحياد”.. وعندما يرفض رياضي عربي مواجهة نظيره الإسرائيلي تضامنا مع الشعب الفلسطيني، يطلع علينا اصحاب نظرية “أبعدوا السياسة عن الرياضة”.
لكن هذا الحياد “المطلوب” كان الغائب الأكبر في الأزمة الأوكرانية (مع تضامننا طبعا مع الشعب الأوكراني) التي عرّت زيف الغرب ونفاقه ومعاييره المزدوجة. فباسم هذا “التضامن” أبعد الملياردير الروسي ابراموفيتش من رئاسة نادي تشيلسي الإنجليزي. وأعلن نادي شالكه الألماني لكرة القدم إلغاء شراكته مع شركة الغاز الروسية المملوكة للدولة غازبروم. و نقل الإتحاد الأوربي “يويفا” نهائي دوري أبطال أوربا من مدينة سانت بطرسبورغ الروسية إلى باريس الفرنسية. ورفضت بولندا وفنلندا مواجهة روسيا بملحق تصفيات مونديال قطر2022، ودعت بريطانيا إلى إقصاء الروس نهائيا من هذا المونديال. وتحت ضغط الأوربيين تدخلت الفيفا على الخط وقررت إقامة مباريات المنتخب الروسي خارج بلاده رغم أن أرضه آمنة. وأوصت اللجنة الأولمبية بحرمان روسيا من المنافسات الدولية.

ماذا تغير حتى تتغير الفيفا و الأولمبية الدولية والأندية والجماهير والشعوب الأوربية وتغير مواقفها وتحشر أنفها في السياسة ؟ أم يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من شعوب العالم “السفلي” ؟
نقول هذا الكلام لأن المبدأ واحد والحقيقة واحدة لا تتجزأ .. سواء في أوكرانيا أو في فلسطين أو حتى الهندوراس. ولكي يكون ذلك، يجب أن يتغير هذا العالم . يتغير الآن وليس غدا. يجب أن يتغير لأن الذي يحصل أمر فظيع. مبادئ مجزأة ومعايير مزدوجة وشعوب من درجة أولى وأخرى من درجات دنيا.. و “الطايح أكثر من النايض” !

عياش سنوسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق