مقالات و آراء

من حكايات الشيخ كرمالي..

بقلم: عزالدين ميهوبي

أطلق عليه الناس اسم “الشيخ” منذ أربعين عاما أو يزيد.. أي بعد أن اشتعل رأسُه شيبًا، ولم يكن حينها في ملاعب الجزائر مدرّبون ذوو صلعات براقة، إلا إذا استثنينا الرّاحل مختار عريبي، أو أولئك الذين وفدُوا من أوروبا الشرقية في إطار اتفاقيات التعاون الرياضي بين دول المعسكر الاشتراكي والجزائر المستقلة..

عزالدين ميهوبي يكتب: كلامٌ في الكرة مع محمود درويش!

وأعني بالشيخ، عبد الحميد كرمالي، رحمه الله، المدرّب المشهود لهُ بالكفاءة والذّكاء، وصاحبَ أوّل لقب إفريقي تحرزه الجزائر في العام 1990.

ولا يختلف اثنان في أنّ كرمالي هو رجل المهمّات المعقّدة ويُكلّفُ بها في التّوقيت الصّعب، إذ استطاع أنْ يُعيدَ للعميد، مولودية الجزائر، شبابه وحيويّته في الثمانينيات، حين بلغَ نجومه، زنير وباشي وبن الشيخ وبلمو ومحيوز.. سنّا لا تسمح باستمرارهم طويلاً في الملاعب وهم الذين قدّموا الكثير، وحازوا من الألقاب والكؤوس ما يكفي، ولا يوجد مدربٌ قادرٌ على تحييدهم في تلك الفترة.

وهنا يروي لي كرمالي قصّة مفادها أنه كان مصمّما على تشبيب دمِ المولودية ولو كلفه ذلك هزيمة وراءَ أخرى في ملعبها وأمام جمهورها.

ففي مباراة حاسمة كانت المولودية منهزمة ببولوغين، بينما كان الجمهور يهتفُ بأسماء لاعبين قدامى مطالبًا بإدخالهم، لكن كرمالي كان يقسمُ بالثلاث ويقول ”والله ما يلعبْ واحدْ منهم.. ولو كان نهزّوا عشرة..” وانهزمت المولودية وثارت ثائرة الجمهور الذي توعّد كرمالي بالويل والثبور وعظائم الأمور.. وأدركَ الشيخ حينها أنّ بعض المتعصبين للمولودية يمكن أنْ يعودوا عليه.

عبدالحميد كرمالي وعزالدين ميهوبي

قال لي: “بقيتُ في مكاني داخل الملعب أكثر من أربعين دقيقة، إلى أن تأكدتُ من أنه لم يبقَ في الملعب سوى العسّاس (..) فأسرعتُ نحو غرفة الملابس وحملتُ حقيبتي وأسرعتُ خارجًا لأغادر المكان، وإذا بي أمام حوالي عشرة من الرؤوس الخشنة ذوي عضلاتٍ مفتولة، يتطايرُ من أعينهم الشرر.. ولم يكن بوسعي الهروب.. فتقدمتُ منهم وليس معي غير الحيلة والمكيدة، وقبلَ أن ينطق أوّلهم بكلمة، بادرتُهم بالقول هل رأيتم مدرّبا يبحث عن هزيمة؟، قالوا لا، قلت لهم: وهل تشكّون في كفاءتي؟، قالوا لا، أضفتُ: وهل تخشون على المولودية من السقوط؟. قالوا نعم، قلت لهم: إذن لنعمل معًا حتى لا تسقط، وأنا بحاجة إلى أناس يغارُون حقا على المولودية ولا يريدون لها سوى الخير والانتصارات.” قلتُ له: وماذا حدث؟، قال لي: شعرَ هؤلاء أنهُم معنيون أكثر منّي بمستقبل المولودية، فطلبتُ منهم أنْ يراقبوا تحرّكات اللاعبين خارج الملعب، إن كانوا يسهرُون أو يلعبون خارجَ أوقات التّدريب.. ثمّ طلبتُ من هؤلاء ”الرُّجلة” كتابة عناوينهم وأرقام هاتفهم على ورقة، حتى أتّصل بهم لأعرف منهم المعلومات المتّفق عليها ونعمل معًا على ضبط التشكيلة قبل أيّ مباراة، فراحُوا لسذاجتهم يدوّنون كل التفاصيل ظنّا منهم أنهم سيصيرُون شركاءَ في عملي.. وودّعتُهم على أمل اللقاء بهم بعد خمسة أيام، ونفَذْتُ بجلدي بفضل هذه الحيلة التي أنجبهَا الخوف (..)، فالخوفُ أبو الحيلة.. والخوف يجرّي الشّيوخ كما يقولون.. وأسرعتُ نحو أقربِ قسم للشرطة، حيث طلبتُ مقابلة المسؤول الذي بَدل أنْ يسمعَ شكوايَ راحَ يسألني عن أسباب الهزيمة ومصيرِ المولودية، وفهمتُ أنّهُ من مناصريها، فقلتُ في نفسي يبدو أنني وقعتُ في يدِ من هو أسوأ من أولئك، فترددُت في شرح شكوايَ ثم قلتُ لأفعلها وليحصل ما يحصل، وقلتُ للضابط لقد تعرضتُ لتهديد بالقتل في الملعب، فضحكَ منّي وقال لي وهل تظننا قادرين على معرفة الجاني من بين عشرين أو ثلاثين ألف متفرج.

وأضاف قائلا ”لا تملأ رأسك بتهديدات جمهور غاضب لهزيمة فريقه.. يزعفْ اليوم ويبردْ غدوة”. لكنّني ألححتُ عليه أنْ يأخذ الأمور بجديّة، فقال لي وهل تعرف اسمًا واحدًا من هؤلاء، فأخرجتُ الورقة من جيبي وأنا أقول له ”أسماءُ الجُناة والمشتبهِ بهم وعناوينهم وأرقام هواتفهم كلها مدوّنة بأيديهم في هذه الورقة”.

ثم شرحتُ له الطريقة التي استعملتها للحصول على تلك المعلومات بتفاصيلها وهو لا يكاد يصدّق، وكأني به يقول لي “أنت مدرّب أم شرطيّ” ثم قام بالواجب، إذ تمّ استدعاء المجموعة لقسم الشرطة واعترفوا بأنهم فعلوا ذلك تحتَ ضغط الهزيمة والخوف من السّقوط، وكانت عقوبتُهم أنْ كُلفوا بضبط الأمن والاستقرار في مدرّجات الملعب، وأنّ أيّ فوضى تقع يتحمّلون مسؤوليتها.. وأكمل كرمالي موسمهُ مرتاحًا، بعيدا عن تحرّش المتطرّفين من الشناوة الذين يحتفظون مع الشيخ بأجمل الذكريات.

سألتُ كرمالي مرة ارو لي كيف كنتَ تقضي يومك لمّا كنتَ محترفا بنادي ليون الفرنسي، فأجابني ضاحكًا، بأنه كان يتسلل في نهاية الأسبوع عبر الحدود الفرنسية إلى مدينة سويسرية صغيرة، غير بعيدة، ويلعبُ ضمن فريقها الهاوي باسم مستعار، حيث يتقاضى مبلغًا ماليا محترمًا، تتمّ مضاعفتُه كلّما سجّل أهدافا، واستمرّ الوضع على هذه الحال والحيلة لسنوات.. دونَ أن يتفطّن أحد إلى ذلك، ولو كان بلاتر السويسري..
وروى لي مرّة أنّه لمّا فرّ مع فريق جبهة التحرير 1958 إلى تونس، بُرمجت لهم مباراة أولى ليتعرّف عليهم الناس، وخاصّة اللاجئين الجزائريين، ولكنّهم انتبهوا إلى أنّ عددهم عشرة لاعبين فقط، فلم يجدوا حلاّ سوى الاستعانة بالجمهور واتجه قائد الفريق نحو المدرّجات ”هل بينكم جزائري يلعب الكرة؟” فنزل نصف الملعب إلى الميدان (..) ولكنّ، قال الشيخ، اخترنا شابّا واحدًا قال إنّه يلعبُ مع فريق تونسي، وآخرين للإحتياط، ولعبوا أول مباراة ليفوزوا بها..

عبدالحميد كرمالي

وسألته مرة عن شعوره وهو يبتعد قليلا عن الملاعب، فأجابني أعطيتُ الكرة كل شيء ونلت بها وباسمها كل الألقاب والكؤوس ولم يبق إلا أن أروي للناس حكايتي في كتاب.. وحينها سيعرف الناس أن المدرب لا يختلف عن الضابط الذي يقود جنوده إلى معركة فاصلة، يكون بطلا إذا انتصر وربّما يصيرا خائنا إذا انهزم.. وأنّا جرّبت ذلك مرارا.. رحلَ الشيخ عن الدّنيا ولم يُكتب له نشرَ مذكّراته التي أعطاها عنوان “Le football ma passion”.
أحتفظ في جعبتي بعشرات الحكايات التي رواها لي، كلّما زرتهُ في المكتبة التي كان يملكها بشارع أوّل نوفمبر بسطيف.. سأدوّنها يومًا ما، حفاظًا على ذاكرته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق