مقالات و آراء

أينشتاين آخر في ميونيخ

بقلم/عزالدين ميهوبي – اعتقدت أن خيار غوارديولا بالإشراف على نادي بايرن ميونيخ هو بمثابة انتحار لمدرب نجح في أن يصنع اسماً في فترة قياسية بإحرازه أكثر من 20 لقباً مع نادي برشلونة..

وكتبت حينها إن الرجل الذي خرج كبيراً من النادي الكاتالوني سينتهي صغيراً في أعرق أندية ألمانيا..
هكذا اعتقدت أول الأمر، لأنني كنت أرى الرجل المشبع بكرة «أورلاتينية» لا يصلح للكرة الجرمانية الصارمة جداً صرامة الجندي الألماني، وبقيت أنتظر إخفاق الفتى الإسباني في الأسابيع الأولى من بدء الدوري الألماني، إلا أن انتظاري طال، واقتنعت في الأسابيع الأخيرة أن رهاني لم يكن في محله، فالرجل نجح في نيل اللقب قبل سبع مباريات كاملة، ما جعل الألمان على اختلاف ألوان أنديتهم يقفون مصفقين له ولناديه الذي استطاع أن يقلب الموازين ويحقق رقماً قياسياً غير مسبوق، في الـ30 عاماً الأخيرة على الأقل، بعدم الخسارة في كل المباريات، وهو الإنجاز التاريخي الذي يخفف قليلاً من نكسة أولي هونيس في سجنه. وحتى مدرب المانشافت لوف رفع القبعة لبيب واعتبر ما حققه المارد الإسباني شيئاً عظيماً يخدم الكرة الألمانية التي تتهيأ لكأس العالم في ثوب المرشح المفترض..
الخاسر الأول طبعاً في انتصارات غوارديولا هو برشلونة الذي يتقدم خطوتين ويتراجع واحدة أمام عدم استقرار وتذبذب أداء الفريق، والرابح الأكبر هو الكرة الألمانية التي أبانت عن قدرتها على تأكيد تقدمها في المستوى العالمي، وكذلك الإسبانية التي تجعل من غوارديولا المدرب القادر على تعويض كبار مدربي لاروخا.. ربما لمونديالي موسكو والدوحة.
أذكر أنني قبل عامين كتبت في هذه الزاوية عن غوارديولا، فقلت ما يأتي: «رأيت في الرجل نموذج النجاح والتألق والتفوق والخروج منتصراً ولو في لحظة إخفاق، ورأيت فيه العرفان بما قدمه له جمهوره، والشعور بما قدمه هو لجماهير برشلونة وإسبانيا والعالم من اجتهاد في جعل كرة القدم اللعبة التي لا لغة لها إلا المتعة ولا منطق لها إلا الإبداع..». وقلت إن ديفيد ترويبا، وهو روائي وسينمائي إسباني، من أصدقاء غوارديولا العارفين بخباياه، نشر رواية بعنوان «أن تعرف كيف تخسر» مستوحاة من عالم «الليغا» الإسبانية، استوحى وقائعها من سيرة بيب غوارديولا، أو هكذا قرأها النقاد والجمهور.. ملخصها قصة لاعب كرة أرجنتيني من ذهب، يتلقفه فريق من مدريد، ويتبناه مدرب ينظر إلى الكرة بفلسفة تتأسس على أن المهاجم محكوم بضرورة ابتكار فضاءات والعمل على الانتشار فيها..». فغوارديولا يقتطع بعض الوقت ليشاهد مسرحية أو فيلماً أو ندوة أدبية، وكثيراً ما يشاهده الجمهور في أعرق المكتبات الإسبانية لاقتناء جديد دور النشر، ولا يشبهه في هذا سوى الحارس التاريخي لإسبانيا زوبيزاريتا ذي الميول الفنية. ويطلق ترويبا على غوارديولا لقب «مثقف اللعبة»، وتتجلى قدرته في أن لغته تتسم بالجمالية والإبداع، لكونه يقرأ ويكتب كثيراً، وهو ما يلقي على منهجيته مسحة من الرؤية الفنية والتقنية. ويظهر أيضاً ذوقه من خلال هندامه المميز، إذ إنه فضلاً على انتقائه للألوان والتفصيلات، تسعى زوجته كريستينا، صاحبة محل للألبسة النسائية، إلى جعله أكثر أناقة، وربما أخطأت هذه الزوجة في ذلك، لكون بيب صار طريد النساء، وأكثر من هذا فإن تاريخ بيب يشير إلى أنه في سن الـ18 كان أحد أبرز وجوه الموضة لتشكيلات ملابس أنطونيو ميرو..
قبل عامين أوقفت فضائيات عالمية عدة برامجها لتبث في المباشر إعلان مغادرة غوارديولا العارضة الفنية لفريق الأحلام الكاتالوني، وكأن الأمر يتعلق بانقلاب عسكري أو تسونامي (..) فاستمع جمهور القارات الست إلى رجل هادئ ومتأثر جداً وهو يعلن طلاقاً بالتراضي مع حسناء يقاسمه حبها الملايين في العالم، اسمها برشلونة!
قال بيب: «إن عمل المدرب يتطلب طاقة كبيرة، وأنا أشعر بأنني استنفدت، وأنني في حاجة إلى قدر من الراحة. أفرغت تماماً». شعر بيب بالملل فاختار أن يرتاح بعد أن حصد من الألقاب ما يجعله يستحق لقب شاعر الكرة بامتياز.. أو كما يلقبه الألمان «أينشتاين الكرة».
نقلا عن “الحياة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق